مصطفى بودغية:فيدل كاسترو قائد بلد الفقراء.. 638 محاولة اغتيال ولم يمت.. Featured

 

 ذات يوم من أيام التاريخ، والصراع على أشده بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الرأسمالي، تهكم على "كوبا" أحد السيناتورات الأمريكيين الممثلين للرأسمال المتغول ناعتا إياها ببلد الفقر والفقراء، رد عليه أحد المثقفين الكوبيين قائلا إن "كوبا"، صحيح، بلد الفقراء، لقد كانت بلد فقراء، وبعد الثورة بقيت بلد فقراء لكن ليس فيها أغنياء.  هذا الرد يتضمن إشارة مضمرة إلى الفرق الشاسع بين بلد يعاني الفقر باحتكار حفنة من الأغنياء كل موارده الطبيعية وقوة عمله، وبين بلد يعيش فيه الفقراء ويقتسمون ما ينتجونه بينهم، مختلفين، بذلك، ومبتعدين عن نمط العيش الاستهلاكي الاستعراضي حتى ولو كان على حساب ملايين الأفواه الجائعة."بلد الفقراء دون أغنياء" هو التوصيف الذي ميز ويميز "كوبا" عن باقي بلدان أمريكا اللاتينية وباقي دول العالم،التي هي، في واقع الأمر،  بلدان أغنياء يحيون حياة جنة الرفاه في قلب صحراء جهنمية شاسعة من الفقر والحاجة. نتحدث هنا عن "كوبا" بعد الثورة التي قادها الزعيم السياسي الثوري الراحل "فيدل كاسترو" رفقة رفيق دربه في الثورة أيقونة الثوار الخالدة "إرنيستو تشي غيفارا" مع نخبة من الرفاق الثوار الأوفياء.  وكلنا شاهدنا تلك الصور التي يبدو فيها "غيفارا" يسكن "غرفة" شبيهة بغرفة العمال أو وهو يدفع عربة في معمل أو يحمل كيسا وشاهدنا أيضا "كاسترو" وهو يقطع قصب السكر مع المزارعين ويقوم بذلك دوريا، مع العلم أن "غيفارا" كان طبيبا و"كاسترو" كان محاميا وينحدر من عائلة ثرية مالكة للأراضي الزراعية.

 

    لم تكن "كوبا" قبل الثورة سوى "حديقة" خلفية للولايات المتحدة الأمريكية مثل باقي دول أمريكا اللاتينية الأخرى، كان يرتع فيه أغنياء الشمال الأمريكي وزعماء المافيا وتجار المخدرات والمسؤولون السياسيون الفاسدون، كانت منتزها كبيرا مفتوحا لهؤلاء، بسلسلة فنادقها ومنتجعاتها ومطاعمها وقاعات القمار المتناثرة فيها، داخلها كانت تعقد الصفقات وتصفى الحسابات السياسية والاقتصادية وتبلور المؤامرات على الدول المجاورة والبعيدة،يجد فيها هؤلاء الدخلاء المتكبرون كل ما يشبع نزواتهم الأكثر توحشا، كانت باختصار مبغى مفتوحا للرأسمال والمافيا من الشمال الأمريكي. في سنة 1959 سيضع "فيدل كاسترو" ،بالثورة المسلحة،حدا لحكم "باتيستا" العسكري التابع كليا للولايات المتحدة الأمريكية. أقام بعده النظام الاشتراكي،بدأ بتأميم القطاع الصناعي المحلي والشركات الخاصة وتحديدا شركة "الفواكه المتحدة" وكذلك القطاع المالي،كما قام بتوزيع الأراضي على الفلاحين لقطع دابر الإقطاع. وفي سنة 1961 اشتعلت أزمة "خليج الخنازير" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في عز "الحرب الباردة" وكانت "كوبا" مسرحا لها. زرع الاتحاد السوفياتي" في عهد "خرتشوف"، على سواحل "كوبا"،صواريخ بعيدة المدى موجهة نحو الولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي كاد أن يشعل حربا مدمرة بين الطرفين. في خضم هذه الأزمة قامت "الولايات المتحدة الأمريكية" بغزو "كوبا" دافعة بمئات الكوبيين المرتزقة المسلحين نحوها، نزل "فيدل كاسترو" بنفسه إلى ميدان المواجهة حاملا سلاحه وقائدا ميدانيا لهجوم مضاد،سرعان ما انتهى بدحر المهاجمين،واعتقال العشرات منهم. انتهت الأزمة بالاتفاق على سحب الصواريخ السوفياتية من "كوبا"،وكذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية على سحب صواريخها من "تركيا" وتعهدت أيضا بعدم غزو "كوبا". لكن،بعد ذلك،"كوبا" عرفت "حصارا" أمريكيا شاملا وقاسيا عليها استمر لحدود اليوم،غير أن "كوبا" عرفت كيف تتكيف مع هذا الحصار العدواني بزعامة "كاسترو"، وعرفت كيف تطور إمكانياتها الذاتية ومواردها الطبيعية والبشرية، وطورت المجال الطبي وعملت على تطوير وتوسيع البنية التحتية للخدمات الطبية المجانية وتأهيل الأطر الطبية في كل المجالات والمستويات، وطورت أيضا مجال التعليم وعملت على تعميمه وضمان مجانيته وجودته وتكوين أطر تربوية مؤهلة،حتى أصبحت ترسل أطرها في هذين المجالين للمساعدة في عدد من البلدان،خاصة بلدان أمريكا الجنوبية والبلدان الإفريقية.

 

ناهضت "كوبا" بقيادة "كاسترو" منطق الهيمنة الأمريكية الشمالية وواجه بكرامة نزعتها المتكبرة الاحتقارية للدول الصغرى. ودعمت العديد من الثورات في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا،وواجهت بحزم نظام الميز العنصري بجنوب إفريقيا منحازة لحزب "المؤتمر الوطني" الذي تزعمه المناضل الصلب "نيلسون مانديلا" أيقونة النضال ضد كل أشكال الميز العنصري وكل أشكال القهر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.وساهمت في تطوير كل أشكال الاتحاد والتعاون بين دول العالم الثالث ضد هيمنة رأس المال العالمي وجبروته.كما دعمت الدول الرافضة للهيمنة الأمريكية والغربية.

 

 

    رحل عنا الآن "فيدل كاسترو" لكنه ترك وراءه حياة حافلة بالعطاء والشجاعة والحنكة القيادية الناذرة. كان خطيبا ملهما قادرا على تحريك القوة الجماهيرية وإلهاب مشاعرها الثورية وتأجيج غضبها ضد أعداء الثورة. ومما له دلالة هامة هو أن يتعرض الثائر "كاسترو" لـ 638 محاولة اغتيال فاشلة، من سنة 1959 إلى حدود سنة 2006،يقول "فابيان ايسكالانتي" الجنرال المتقاعد الذي عمل رئيسا للقوات الخاصة لسنوات طويلة إن سنة 1963 كانت هي أخطر السنوات على حياة القائد "فيدل كاسترو".وحاز بذلك في موسوعة "غينيس" لقب "الزعيم الذي تعرض إلى أكبر عدد محاولات اغتيال في العالم". وكل هذا المحاولات كانت من تدبير وتخطيط المخابرات الأمريكية،توزعت بين تسميم السيكار وتسميم الطعام والقنص من بعيد والمتفجرات والعبوة الناسفة الموضوعة في "كرة بيسبول". باءت كل هذه المحاولات لاغتياله بالفشل، وعاش طويلا طويلا، ومات على فراش المرض عن عمر يناهز 90 سنة. لم يعش "كاسترو" الحياة بطولها فحسب،بل عاش الحياة بعرضها وعمقها كذلك،فاستحقت وفاته أن تدفع الشعب الكوبي إلى أن يرتدي الأسْود لباس "الحداد"، واستحق "كاسترو" أن يبقى حيّا مشعّاً ليسكن ذاكرة أحرار العالم، وذاكرة "الإنسانية" جمعاء التواقة للحرية إلى الأبد.       

 

تابعوا جديدنا على التويتر من هنا
أنشر هذا الموضوع على الفيسبوك